قال خبير العلاقات الدولية، طارق البرديسي، في حوار مع فرانس24، إن الإجراءات الأمنية المتزايدة حول الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين تعكس، في تقديره، مخاوف متنامية من اختراق المنظومة الأمنية الروسية، خصوصا بعد سلسلة من الهجمات والحوادث التي طالت شخصيات عسكرية ومنشآت داخل روسيا. كما أكد البرديسي أن الضربات التي كثّفتها قوات كييف أحدثت إرباكا في عدة قطاعات وأوصلت نطاق العمليات والهجمات إلى عمق الأراضي الروسية.
ذكرت عدة تقارير صحافية غربية، أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بات مؤخرًا متحفظًا للغاية فيما يتعلق بالإجراءات الأمنية الخاصة به.
وجاء ذلك خصوصًا بعد "محاولات اغتيال" استهدفت عددا من القادة، كان آخرها التفجير الذي وقع في أحد المطاعم في موسكو، في 1 آب/أغسطس ، والذي أشارت تقارير إلى احتمال استهدافه الجنرال ألكسندر تشايكو.
اقرأ أيضاروسيا: ثلاثة قتلى و21 جريحا في انفجار بموسكو والجيش يعلن تدمير مئات المسيّرات الأوكرانية
فمنذ ذلك الحين، لجأ الكرملين، حسب صحيفة لوبارزيان، إلى تعزيز "حصن الرئيس المنيع" تحسبا لأي هجوم في موقع يصعب تحديده. وأضافت الصحيفة أن بوتين أصبح يتغيب عن الفعاليات الكبرى المعتادة مثل تدشين المصانع، وبات ظهوره العلنيأكثر ندرة. وخلص التقرير إلى أن تحديد مكان بوتين بدقة أصبح أمرا بالغ الصعوبة.
"جنون العظمة" أو أن على بوتين الخوف فعلاً؟
كما نقلت لوباريزيان عن فينسنت جوفيرت، كبير مراسلي ورئيس القسم الخارجي في أسبوعية نوفال-أوبس الفرنسية، قوله "إن معرفة مكان إقامة الرئيس الروسي بات مستحيلاً بسبب التمويه الكبير الذي يمارسه الكرملين على مقراته. كما أنه بات يسجل خطاباته بشكل مسبق وتم إيقاف خدمات المراقبة بالكاميرات في موسكو وتم حظر الهواتف قرب مكان تواجد بوتين، بهدف منع الأوكرانيين من تتبعه".
يدفع تشديد الإجراءات الأمنية المحيطة بالرئيس الروسي مراقبين إلى القول إن روسيا قد انزلقت إلى مناخ حقيقي من "جنون العظمة". رغم ذلك، فإن عدم اتخاذ بوتين لتلك التدابير سيكون خطأً فادحًا في نظر جوفيرت، معتبرا أن الأمر "ليس جنون العظمة بالمعنى الطبي. بل إنه على حق في شعوره بالخوف". رأي يتقاطع مع ما قاله المراسل الصحافي السابق في روسيا، بول جوجو، لصحيفة لوباريزيان، الذي أشار إلى أنه "من الصعب للغاية إحباط العمليات ضد المسؤولين العسكريين"، ولدى بوتين "عدة أسباب للقلق بشأن سلامته وسلامة أحبائه".
اقرأ أيضااتهامات روسية لأوكرانيا بهجوم مسيرات على مقر بوتين وترامب يؤكد قرب اتفاق سلام
وسبق أن اتهمت روسيا الأوكرانيين بمهاجمة مقر بوتين في منطقة نوفغورود، بين 28 و29 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وذلك باستخدام 91 طائرة مسيّرة بعيدة المدى. لكن الدفاعات الجوية دمّرتها جميعها، دون وقوع خسائر بشرية أو مادية. من جانبها، شككت أوكرانيا ودول غربية في الرواية الروسية بشأن محاولة الاستهداف المزعومة.
كما تأتي هذه التطورات في وقت كثّفت كييف ضرباتها على روسيا خصوصًا باستخدام المسيّرات. حيث قُتل 13 شخصًا، الإثنين، في مدينة صناعية بوسط البلاد، في واحد من أكثر الهجمات دموية على الأراضي الروسية منذ بدء النزاع في 2022. وخلال الليلة الممتدة بين الأحد والإثنين، أسقطت قوات موسكو ما مجموعه 456 مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية وشبه جزيرة القرم، وفق وزارة الدفاع.
للوقوف أكثر عند ما يحدث في روسيا، وحول حقيقة مخاوف الرئيس بوتين حيال سلامته الشخصية، حاورنا طارق البرديسي المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية.
-
فرانس24: ما أثر الضربات الأوكرانية المكثّفة على الداخل الروسي؟
طارق البرديسي: لا شك في أن الضربات الأوكرانية المكثّفة تحدث إرباكًا في الداخل الروسي، إذ كان التصور السائد سابقًا أن تبقى تداعيات الحرب والهجمات بعيدة عن الأراضي الروسية، وأن تظل المعارك محصورة في الجبهات داخل أوكرانيا. لكن وصول الضربات بالمسيّرات إلى عمق الأراضي الروسية، والتي باتت تقطع مئات أو آلاف الكيلومترات، يمثل بلا شك تحولاا نوعيًا وكبيرًا، ومتغيرا مهما وفارقا في الحرب المستمرة منذ سنوات. لا شك أن هذا يعدّل من طبيعة الصراع حيث باتت روسيا هي الأخرى تشهد تعرض اقتصادها للمخاطر بسبب الضربات التي طالت خصوصًا مصافي تكرير النفط والمنشآت الطاقوية، بالتوازي مع تزايد التهديدات الأمنية. وكل ذلك يعكس تطورات جديدة وتغييرا في ملامح هذه الحرب.
-
استهداف قادة روس... هل اقتربت دائرة الاستهداف من هرم الكرملين؟
طبعًا، لأن محاولات الاغتيال هذه تدل، من جهة، على وجود تسريب للمعلومات واختراق أمني، ومن جهة أخرى، على أن المواجهة مع أوكرانيا لم تعد تقتصر على الضربات الصاروخية والمسيّرات، بل امتدت إلى حرب المعلومات والاختراق الأمني. وهذا يعني أن هذه الضربات بدأت تطال المنظومة الأمنية الروسية نفسها، والتي لم تعد محصّنة كما كان يعتقد. فرغم أن روسيا تمثل طبعا قوة عظمى عسكريا وكان يحسب ألف حساب لشبكتها ومنظومتها الأمنية والاستخباراتية الحصينة، لكن من الواضح أن هناك اختراقًا وتسريبًا للمعلومات.
اقرأ أيضا"قطار القيصر".. كيف سيؤثر خط الدفاع الروسي الجديد على مسار الحرب في أوكرانيا؟
أعتقد أنه في حال صحت التقارير حول وجود مثل هذه الاستهدافات والاختراقات، فهذا يعني أن المسألة لم تعد تقتصر على السلاح والقنابل بل باتت مرتبطة بالمعلومات التي تقف وراء استخدام هذا السلاح، سواء كان السلاح مسيّرات أو قنابل، وهذا قد يشير إلى وجود اختراق للمنظومة الأمنية الروسية.
كما أن اغتيال جنرالات وقادة روس أمر يمس بصورة مباشرة المنظومة الأمنية الروسية ويضرب كبرياءها. وطبعًا هذا مؤشر خطير، إذ إن انتقال المعركة إلى الداخل الروسي، بما في ذلك الضربات الأوكرانية بالمسيّرات ومحاولات اغتيال قادة وجنرالات كبار، يعني أن دائرة الاستهداف اقتربت من هرم السلطة في الكرملين، ما يستدعي تعزيز الإجراءات الأمنية وإعادة النظر في المنظومة الأمنية..
-
هل هناك دواعٍ فعلية لخشية بوتين على حياته وأمنه الشخصي؟
في الحقيقة، إن تعزيز الحماية، مثل إضافة المكاتب الوهمية للرئيس الروسي وتقليص التحركات خاصة في أوقات الحروب، يُعد من الإجراءات المعهودة في مثل هذه الحالات. لكن في تقديري، فإن ما يحدث حاليا يعكس تصعيدا وتدهورا على المستوى الأمني، بات يستدعي مزيدًا من التدابير والصيغ والإجراءات الأمنية لحماية الرئيس الروسي. أعتقد أن المسألة ليست خشيته من المسيًرات والقنابل بل من حدوث تسريب فعلي للمعلومات ومن ثم وقوع اختراقات أمنية تؤدي إلى اطلاع العدو على تحركات بوتين وقادته. ويمكن القول إن هذه المعلومات هي أخطر من أي سلاح.
بشكل عام في ظل هذا التطور للحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، أعتقد أن هناك تطورًا حدث دون أدنى شك، وهو أن المنظومة الأمنية لم تعد محصنة حتى في الداخل الروسي كما كان يتصور، في ظل تعرض اقتصاد موسكو هو الآخر للضربات. فأوكرانيا لم تعد تستهدف "مخالب الدب الروسي" فقط، بل أيضًا معدته الاقتصادية أي الاقتصاد والمصافي والمنشآت الطاقوية إلى جانب أمنه بما في ذلك استهداف القيادات والجنرالات ووصول الضربات إلى العمق الروسي. كل ذلك يؤكد على أن منظومة الأمن الروسي لم تعد محصنة كما كان هو الحال في مراحل سابقة.