قال الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي، د. عامر السبايلية، إن مذكرة التفاهم السورية الروسية بخصوص قاعدتي حميميم وطرطوس، هي ترجمة لواقع تشكل بعد سقوط نظام الأسد. كما اعتبر أن موسكو تناور وتفضل اليوم الحفاظ على تواجدها في البلد المطل على البحر المتوسط تحت أي صيغة وشكل مؤكدًا أن ذلك لا يعني أنها ستسلّم نهائيًا بانتهاء نفوذها في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط. وأشار أيضًا إلى أن أي مسعى تركي لملء الفراغ في سوريا سيصطدم برفض إسرائيلي وأمريكي.
أبرمت دمشق وموسكو، الأحد، مذكرة تفاهم تحدد مستقبل القاعدتين العسكريتين الروسيتين في طرطوس وحميميم بعد مفاوضات مكثفة استمرت عامًا ونصف.
بموجب تلك المذكرة، ستبدأ "عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري وستتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجيا ضمن منظومة الإدارة المدنية"، بحسب وزارة الخارجية، التي أوضحت أن الطرفين اتفقا أيضًا على "إعادة صياغة وظيفة القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري" بحيث "تتحول إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة" خلال ثلاثة أشهر.
وتشكل المنشأة البحرية الروسية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية في اللاذقية منذ منذ سنوات الركيزة الأساسية للوجود العسكري الروسي في البحر المتوسط والشرق الأوسط. ومنذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، دخل مستقبل القاعدتين في مفاوضات مع القيادة السورية الجديدة.
وتدخلت روسيا عسكريًا في النزاع السوري في أيلول/سبتمبر 2015. وعلى مدى سنوات، ظلت أبرز داعمي الأسد، وساهمت غاراتها في تغيير موازين القوى لصالح قوات النظام وذلك بمواجهة الفصائل المعارضة والتنظيمات الجهادية.
اقرأ أيضاما طبيعة الاتفاق الأمني الذي يريده ترامب بين سوريا وإسرائيل وهل هو قابل للتطبيق؟
وعززت وجودها عبر القاعدتين اللتين شكّلتا الموقعين العسكريين الرئيسيين لها خارج فضاء الاتحاد السوفياتي السابق، وأتاحتا لها موطئ قدم استراتيجيًا على المتوسط.
لكن إطاحة الأسد شكلت ضربة قاصمة للنفوذ الروسي في المنطقة، بعدما فر الرئيس السابق مع زوجته وعدد من المقربين منه إلى موسكو، وتطالب السلطات السورية الجديدة بتسليمهم.
للوقوف أكثر عند مذكرة التفاهم التي توصلت إليها دمشق وموسكو، وأثرها على مستقبل النفوذ الروسي في هذا البلد والمنطقة، حاورنا الدكتور عامر السبايلة، خبير استراتيجي ومحلل سياسي من الأردن.
-
فرانس24: هل هي بداية نهاية النفوذ الروسي في سوريا والمنطقة؟
د. عامر السبايلية: تعتبر مذكرة التفاهم ترجمة للواقع الذي تشكل منذ سقوط النظام في سوريا. لكن من الواضح أن النفوذ الروسي في سوريا سيتآكل تدريجيا، بما في ذلك وجوده على الأرض، إذ لن يكون بأي حال من الأحوال كما كان في السابق. وبدلًا من أن يأخذ هذا التحول شكل صدام، يبدو أنه يتجه نحو انحسار تدريجي، وهو ما يتماشى أيضًا مع الضغوط التي تواجهها روسيا، سواء بسبب الحرب في أوكرانيا من جهة، أو العقوبات المفروضة عليها من جهة أخرى. وبالتالي، بات النفوذ الروسي في هذه المنطقة أضيق نطاقًا، ومن الطبيعي أن يتخذ أشكالًا جديدة، بعيدًا عن الطابع العسكري وأقرب إلى الجانب المدني. ويتجلى ذلك حاليًا في التحول نحو مراكز التدريب وتبادل الخبرات وما شابه ذلك. لكن يمكن القول، في المحصلة، إننا نشهد نهاية حقبة النفوذ الروسي في البحر الأبيض المتوسط.
-
هل سترضخ روسيا للأمر الواقع أو أن لها هامش مناورة للحفاظ على موطئ قدم تبني عليه مستقبلا؟
في الواقع، قد يكون هذا التفاهم نوعًا من المناورة الروسية بهدف الإبقاء على حد أدنى من الوجود في سوريا، إذ من المستبعد أن تقبل موسكو بخروجها الكامل من البلاد. فهي، في نهاية المطاف، تريد الحفاظ على موطئ قدم لها في سوريا، بغض النظر عن الصيغة التي سيتخذها هذا الوجود. ولا أعتقد أن روسيا ستقبل بخسارة هذا الموقع، لسبب بسيط يتمثل في إدراكها أن جزءًا أساسيًا من المعركة يتمحور أيضًا حول إخراجها من البحر الأبيض المتوسط. ولعلنا نتذكر أنها أرسلت، في مراحل معينة، غواصات تعمل بالطاقة النووية إلى المنطقة. لكن موسكو تدرك في الوقت الراهن أن الظروف ليست مواتية لها، في ظل أزمتها الداخلية، والحرب في أوكرانيا، إلى جانب تغير المعطيات السياسية في الداخل السوري. ولذلك، من المرجح أن تسعى إلى الإبقاء على وجودها هناك بصيغة أو بأخرى.وقد رأينا بالفعل محاولاتها للتوصل إلى صيغة تفاهم مع دمشق، من خلال الاتفاق على مجالات تشمل التدريب العسكري والعلاقات الثنائية، فضلًا عن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا في وقت سابق.
وبالتالي، فهي تريد البقاء في سوريا، بصرف النظر عن شكل هذا الوجود أو طبيعته، وتحاول أن تخلق لنفسها واقعًا جديدا يتجاوز ارتباط موسكو بالنظام السابق. وبعبارة أخرى، تسعى روسيا إلى ضمان استمرار وجودها في سوريا، أيًا كان شكل النظام. ويمكن وصف المرحلة الحالية بأنها محاولة لإعادة صياغة الوجود الروسي والحفاظ عليه في سوريا، بعيدًا عن مسمّاه أو شكله السابق.
-
هل سنشهد تنافسًا إقليميًا على سوريا وهل ستملأ تركيا الفراغ؟
بالنسبة إلى روسيا، فإن هذه التطورات فُرضت عليها ولم تكن خيارًا اختارته طوعًا. فإطالة أمد الحرب في أوكرانيا، وانتقال الهجمات إلى استهداف الأراضي الروسية، إلى جانب العقوبات المفروضة عليها، تضع موسكو أمام معركة تتعلق بترتيب الأولويات. وبالتالي، حتى لو كانت حسابات روسيا اليوم تقتضي التخلي عن جزء من نفوذها في البحر الأبيض المتوسط، فإن ذلك يبقى، في الواقع، نتيجة ظروف فُرضت عليها. ومن ثم، أصبحت خياراتها محدودة في سوريا، التي تحولت جغرافيًا إلى ساحة مفتوحة أمام التنافس الإقليمي. ومن الواضح أن واشنطن هي من دعمت هذا النظام ووافقت على قيامه، بل رفعت العقوبات المفروضة عليه، ما يعني أن الكلمة الأمريكية ستكون الأبرز هناك.
أما بالنسبة إلى المحاولات التركية، فيرى الخبير الأردني أنها أمر طبيعي، لكنها ستصطدم خلال المرحلة المقبلة بما يمكن وصفه بـ"الفيتو الإسرائيلي" على أي وجود تركي واسع في سوريا. كما لا ينبغي إغفال الأهمية الاستراتيجية للبحر الأبيض المتوسط، وهي أهمية لا تستطيع الولايات المتحدة ولا إسرائيل التفريط بها، كما أنهما لن تقبلا بترك مساحة واسعة للنفوذ التركي في سوريا.