أغرق الكسوف الكلي للشمس مدينة شقوبية، الواقعة شمال غربي إسبانيا، في الظلام لمدة 59 ثانية، مساء الأربعاء، أمام أعين السكان والسياح الذين تابعوا بفرحة كبيرة عملية الاختفاء من الشوارع ومن قمة الكاتدرائية.
كثيرًا ما نستخدم عبارة "لحظة فريدة" لاستحضار تجربة استثنائية أو لحظة غير مألوفة بسبب المشاعر التي تثيرها فينا والتحوّل الذي تُحدثه في أعماقنا.
ومن هذا المنطلق، كان الكسوف الكلي للشمس الذي حدث يوم الأربعاء 12 أغسطس/آب فوق جزء من إسبانيا لحظة فريدة من نوعها، خاصة في مدينة شقوبية (قشتالة وليون، شمال غربي إسبانيا)، حيث تابعنا هذه الظاهرة الفلكية الفريدة من قمة كاتدرائية هذه المدينة التي لا تبعد كثيرًا عن العاصمة مدريد.
لم يحظَ بامتياز الصعود إلى هذه الكاتدرائية سوى نحو عشرين شخصًا، تمكنوا من اجتياز شبكات وأبواب يُمنع عادةً دخول الجمهور منها في مثل هذا الوقت. ولأن مثل هذا المشهد البانورامي يستحق العناء، فقد كان عليهم صعود 190 درجة سيرًا على الأقدام للوصول إلى القمة التي يبلغ ارتفاعها حوالي 90 مترًا.
إكليل الشمس وسلوك الحيوانات والبشر... ماذا نتعلم من ظاهرة الكسوف؟ (4/2)
جاء الشاب مينوس وأخته ميشيل من مدينة مالمو السويدية لرؤية الكسوف الكلي للشمس في مدينة شقوبية. وصعدا إلى قمة الكاتدرائية دون تعب أو عناء لأنهما كانا يريدان مشاهدة هذه الظاهرة الفلكية منذ سنوات.
ومع اقتراب الكسوف الكلي، بدأ مينوس يعدّ الدقائق المتبقية من حدوث هذه الظاهرة الفلكية. فيما أخرج من حقيبته آلة تصوير متطورة ومزودة بمرشح شمسي، ثم ابتسم قائلًا: "والدنا هو الذي أهدى لنا هذه الآلة تحديدًا لتخليد هذا اليوم".
مقالات السلسلة
في حين أن أوروبا لم تشهد كسوفًا شمسيًا منذ عام 1999، تخصص فرانس 24 سلسلة من المقالات لهذا الحدث الفلكي الذي يُعد من أكثر أحداث العقد المنتظرة في القارة، مع تقارير من نطاق الكسوف الكلي، في إسبانيا.
"يا إلهي !"
على غرار مينوس وميشيل، قدم العديد من السياح من مدريد بالقطار أو عبر الطريق، عابرين سلسلة جبال غواداراما الشاهقة (وهي كتلة جبلية) للوصول إلى مدينة شقوبية الفخمة، التي تشتهرخصوصًا بقنطرتها المائية وقصرها المحصن (Alcazar) ، والذي يُعتقد أنه ألهم تصميم قلعة الأميرة بياض الثلج في فيلم ديزني الشهير الذي يحمل نفس الاسم.
وتوافد أيضا عدد كبير من سكان مدينة شقوبية إلى هذا المكان للاستمتاع بجمال المشهد ومتابعة الكسوف من أعلى صرح يُلقّب بـ "سيدة الكاتدرائيات". ومن بين هؤلاء كان ياغو وعائلته، الذين اختاروا مشاركة عدد من السياح وأحد الكهنة لحظات تأمل هذا المشهد.
قام أفراد هذه العائلة بارتداء نظارات خاصة لحماية أعينهم أثناء متابعة الظاهرة. وللحظة، دقت الأجراس على بُعد بضعة أمتارأسفلهم، معلنة الساعة الثامنة والنصف مساءً، أي قبل دقيقة ونصف فقط من بدء عملية الكسوف. وفور سماعه الأجراس، قال الكاهن مازحًا: "يسوع هو من يقرعها لنا!"، ما أثار الضحك لدى الجميع.
"يا إلهي... يا إلهي !" تكرر كيلي، رفيقة ياغو.
وفجأة، غرقت مدينة شقوبية في الظلام. فيما اخترق التصفيق الصمت الذي كان سائدًا قرب البرج ولدى حشود من السياح الجالسين قرب هذا البرج.وقد استغرق الكسوف الكلي 59 ثانية فقط. وكان الإحساس فريدًا.
"إلى الأبد"
كان من الصعب معرفة مشاعر الناس من ملامحهم. ففي لحظة ظهور الإكليل الشمسي بشكل كامل، تراوحت تعابيرهم بين الدهشة والانبهار والتأثر. كما شعر البعض الآخر بالخوف من إهدار ولو ثانية واحدة من هذه التجربة التي قد لا تتكرر بالنسبة لكثيرين أبدًا.
وقال ياغو: "لن أنسى أبدًا هذه اللحظة". أما أخته، كيلي، فغمرتها الفرحة إلى درجة أنها ذرفت الدموع. وتابع ياغو: "إنه شيء لا يمكن للمرء أن يتخيله قبل أن يعيشه"، مستحضرًا في الوقت نفسه تاريخ الحضارات القديمة التي كانت "تصف الكسوفات على أنها نذير شؤم أو علامة على غضب الآلهة أو تجارب مخيفة".
النص الفرنسي: بولين روكيت | النص العربي: طاهر هانى