Get all your news in one place.
100's of premium titles.
One app.
Start reading
France 24 (العربية)
France 24 (العربية)
World
بهار ماكويي

في طهران... يكتب النظام روايته للحرب على جدران المدينة (2/2)

امرأة وأشخاص أمام يافطة دعائية ضخمة تتعهد بالانتقام من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طول شارع جمهوري بوسط طهران في 27 يوليو/تموز 2026
امرأة وأشخاص أمام يافطة دعائية ضخمة تتعهد بالانتقام من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طول شارع جمهوري بوسط طهران في 27 يوليو/تموز 2026. © أ ف ب.

طهران في حالة حرب (2/2). في إيران، تدور رحى الحرب عبر الصور أيضا. ففي العاصمة طهران، حوّلت اليافطات الدعائية الضخمة جدران المدينة إلى واجهات لعرض الرواية الرسمية، تم تصميمها بحرص لإيصال صوت الحكومة حتى إلى ما وراء الحدود. تسلط هذه الورقة من فرانس24 الضوء على الاستراتيجية البصرية التي تشكّلت منذ الثورة الإسلامية، وبات يدعمها الذكاء الاصطناعي اليوم.

في ولي عصر، أحد أكثر شوارع طهران ازدحاما، تهيمن يافطة عملاقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفمه مخيط. كما يغطي فمه حجاب أزرق صُمم على شكل مضيق هرمز. وفوقه، شعار باللغة الفارسية، ترجمه مصممو الغرافيك بعناية إلى الإنكليزية At the breaking point أو "على حافة الانهيار".

إيرانيون يمرون أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل بطهران في 3 يونيو 2026
إيرانيون يمرون أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل بطهران في 3 يونيو 2026. © أ ف ب.

وكانت هذه اليافطة قد عُلّقت في 2 مايو/أيار أي في أوج الحرب بعد تعطل المفاوضات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز. بالنسبة للإيرانيين، فإن هذا الممر البحري الحيوي، الذي يعبره نحو 25 بالمئة من نفط العالم، وتسعى إيران لبسط سيطرتها عليه، هو بمثابة سلاح قادر على إسكات واشنطن.

فمنذ بداية الحرب مع أولى الضربات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة، انتشرت هذه الجداريات الملونة في ربوع العاصمة الإيرانية.

اقرأ أيضاكيف حوّلت إسرائيل كنيسا يهوديا بطهران إلى رماد...(2/1)

كذلك، أخضعت السلطات الصحافيين لرقابة مشددة، ولم تتوان عن قطع شبكة الإنترنت بشكل كبير خلال أشهر الحرب الأولى، ومن ثمة، لم ينجح النشطاء سوى في إيصال صور قليلة إلى خارج البلاد. في المقابل، سمح بتصوير الملصقات الدعائية الرسمية التي كانت تصل بكثافة إلى وكالات الأنباء.

حرصت طهران على تصوير اللوحة العملاقة التي تجسد ترامب وقد أخيط فمه، والتي نشرتها وسائل الإعلام الأجنبية، وجرى تداولها بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي. ومن ثمة، فإن الرسالة التي تشكل رمز التواصل الحربي الناجح للجمهورية الإسلامية، وصلت مباشرة للرئيس الأمريكي.

إيرانيات يمررن أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل بطهران في 3 يونيو 2026
إيرانيات يمررن أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل بطهران في 3 يونيو 2026. © أ ف ب.

كما تُظهر جداريات أخرى تم تداولها على الإنترنت، طائرات إيرانية مسيّرة تدمر نجمة داود ومتظاهرين يهتفون الشعار الشهير لإيران وأذرعها في المنطقة: "الموت لأمريكا".

تظهر يافطة أخرى سلسلة الزعماء الدينيين الذي تربعوا على هرم السلطة في إيران، بدءًا من مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، مرورًا بخلفه علي خامنئي الذي لقي حتفه مع بدء الغارات الإسرائيلية الأمريكية في 28 فبراير/شباط، وصولا إلى خليفته ونجله مجتبى خامنئي.

يافطة دعائية في ساحة "ولي عصر" بوسط طهران في 10 مارس 2026، تُظهر المرشد الأعلى الراحل آية الله روح الله الخميني وخليفته الراحل آية الله علي خامنئي ونجله مجتبى خامنئي
يافطة دعائية في ساحة "ولي عصر" بوسط طهران في 10 مارس 2026، تُظهر المرشد الأعلى الراحل آية الله روح الله الخميني وخليفته الراحل آية الله علي خامنئي ونجله مجتبى خامنئي. © أ ف ب.

حين تتحول المدينة إلى منصة دعائية

في الواقع، فحتى ولو أن هذه اليافطات الدعائية الضخمة مصممة في الوقت الراهن لكي تنتشر خارج الحدود الإيرانية، لكنها تبقى جزءًا من تقليد عريق للدعاية البصرية في هذا البلد.

فبالنسبة إلى الإيرانيين، فإن هذه اللوحات العملاقة هي جزء لا يتجزأ من المشهد الحضري لمدنهم. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت الجدران إلى "مساحة للتعبير السياسي"، بحسب ما أوضحت سيبيده بارساباجوه، باحثة في علم الإنسان بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

اقرأ أيضامضيق هرمز، البرنامج النووي، الأصول والأموال المجمدة، لبنان... ما الذي يعطل إبرام اتفاق بين ترامب وإيران؟

وساهمت صور شهداء الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، والشعارات الثورية، وشعارات معاداة وكراهية أمريكا وإسرائيل وما شابه، المنشورة عبر هذه الجداريات الضخمة، في ترسيخ السرد المستمر للقيم التي تتبناها الجمهورية الإسلامية. أضافت نفس الباحثة: "من ثمة، تحولت المدينة إلى فضاء سردي كبير".

أشخاص يسيرون بالقرب من جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران. إيران في 28 يونيو 2026
أشخاص يسيرون بالقرب من جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران. إيران في 28 يونيو 2026. © رويترز.

رغم ذلك، ترجع هذه الثقافة البصرية إلى فترات أقدم بكثير من النظام الحالي. فبحسب بارساباجوه، لطالما كان هذا الأسلوب في سرد ​​القصص عبر الصور جزءًا من تراث عريق في إيران. وهي تلفت تحديدًا إلى "بارده خاني"، الطقوس الشعبية التي يقوم خلالها الراوي بسرد حكايات دينية أو ملحمية أمام لوحة قماشية ضخمة تجسد مشاهد مختلفة من تلك القصة التاريخية.

دعاية صناعية

كما قالت بارساباجوه: "في بداية الحرب الإيرانية العراقية، رسمت عدة لوحات من قبل فنانين ملتزمين، طلبة الفن، وأحيانًا هواة موهوبين". وأضافت: "لكن كان هناك أيضًا مبادرات محلية. ظهر بعضها بسبب طلبات عائلات الشهداء أو أعدت لمواساتهم. قال بعض الفنانين إنهم رسموا مثلاً صورة لشاب قُتل في الجبهة على جدار منزله كهدية لوالدته. كان هنالك بُعد شخصي وعاطفي للغاية".

إلا أن هذا البُعد الفني أخذ في التلاشي بشكل تدريجي. تؤكد الباحثة أنه "سرعان ما أصبح الأمر مؤسسيًا. تحولت الجداريات إلى طلبيات عمومية بامتياز".

واليوم، أصبحت هذه الأنشطة تتم بشكل مركزي بالكامل. حيث يتم طلب اليافطات الضخمة التي عوضت الرسوم الجدارية مباشرة من المنظمات الحكومية. حتى إن "بيت مصممي الثورة الإسلامية" المنظمة الفنية والإعلامية شبه الحكومية باتت تشرف على بعض الأعمال.

ومن ثمة، تتولى عدة مؤسسات عملية تركيب هذه اليافطات، بما في ذلك منظمة الدعاية الإسلامية أو حتى مكتب تجديد بلدية طهران.

كما أن التغيير هو تقني أيضًا. حيث حلت اليافطات العملاقة المطبوعة، التي يمكن تركيبها أو استبدالها في غضون ساعات، محل الرسوم الجدارية. وبات بإمكان النظام تعديل رسالته البصرية بشكل فوري تقريبًا.

أبطال الوطن و"سيد الخواتم"

اللافت، هو حصول تطورات هامة أخرى لعل أبرزها استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم هذه الصور، ما يسمح بإنتاج رسومات مذهلة بسرعة فائقة. كذلك، فإن محتوى اليافطات قد تغير هو الآخر. تلحظ سيبيده بارساباجوه في هذا الشأن: "أصبحت المكونات اليوم أكثر إتقانًا، حيث إنها تقتبس من رموز الإعلانات، السينما، وملصقات الأفلام الضخمة".

لا بل إن بعض تلك الأعمال يستوحي من الثقافة الشعبية الغربية. وقد لفت أحدها، وهو معروض على واجهة مبنى في ميدان فاطمي، بوسط شرق طهران، انتباه العديد من وسائل الإعلام الغربية، بسبب ما يتضمنه من إشارة إلى فيلم "سيد الخواتم". حتى إن برنامج "ما وراء الصور" الذي تبثه قناة آرتي Arte، عاد على تلك الجدارية التي تجسد شخصيتين عملاقتين، تقفان كتمثالين ضخمين على جانبي مضيق هرمز، وتمد أذرعها لسد الطريق أمام حاملات الطائرات والسفن الحربية.

امرأة تسير أمام يافطة دعائية ضخمة بطهران في 15 أبريل 2026
امرأة تسير أمام يافطة دعائية ضخمة بطهران في 15 أبريل 2026. © أ ف ب.

على يسار هذه اليافطة، نرى علي رضا تانغسيري، القائد العام السابق لبحرية الحرس الثوري الذي لقي مصرعه إثر هجوم تبنته القوات الإسرائيلية في 26 مارس/آذار 2026. أما على اليمين، فيظهر رئيس علي دلواري، الذي يعد بطلاً قوميًا في إيران لتنظيمه لصفوف المقاومة المحلية ضد القوات البريطانية بمنطقة تانغستان في 1915.

اقرأ أيضامن يحكم إيران؟

اعتبر عدة مراقبين أن هذا التصميم هو إشارة إلى أرغوناث أو "بوابة الملوك" في سلسلة "سيد الخواتم" التي ترمز لمدخل مملكة غوندور، وترسل تحذيرًا للأعداء الذين يغامرون باقتحامها. هذه الطريقة في التصميم "تخلّد بطريقة ما الشخصيات السياسية عبر تمجيد بطولاتها".

تخليد لسياسيين وجنود وعلماء

على نفس المنوال، تغطي صور المرشد الأعلى السابق علي خامنئي وقيادات الحرس الثوري الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية والأمريكية جدران العاصمة طهران. إلى جانب شخصيات بارزة أخرى في الجمهورية الإسلامية، على غرار الجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس، الذي قُتل في غارة أمريكية بالعراق عام 2020.

تشرح سيبيده بارساباجوه: "من هذا المنظور، يمكن أن يموت البطل، إلا أنه يصبح خالدًا في الذاكرة لأنه يصبح جزءًا من الرواية. في كربلاء، استشهد الإمام الحسين، إلا أن تضحيته تحولت إلى ذكرى خالدة يتم تحديثها باستمرار. تتبع الجداريات المعاصرة بدورها نفس المنطق. حيث إن الجندي، السياسي، أو العالم المغتال، لا يُصوَّرون ببساطة كأشخاص مفقودين. بل يتحولون إلى أبطال، شهداء، شخصيات تكون جزءًا من تاريخ وطن ودولة لا يزال يُكتب".

يافطة دعائية معروضة على واجهة مبنى في طهران، بتاريخ 29 يونيو 2026، تُظهر المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي وقائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني
يافطة دعائية معروضة على واجهة مبنى في طهران، بتاريخ 29 يونيو 2026، تُظهر المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي وقائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني. © أ ف ب.

تضيف الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي: "لا تشكل جدران طهران مجرد سلسلة من الصور. بل إنها تشكل في مجموعها نصًا بصريًا حقيقيًا. فحين نتجول في المدينة، ننتقل من قصة إلى أخرى، من شهيد إلى آخر، من حلقة تاريخية إلى أخرى. تروي المدينة بشكل مستمر رؤية معينة للتاريخ الوطني، تلك التي ترويها السلطة".

"أصبح كثير من المارة بالكاد يلتفتون إليها"

غير بعيد عن السفارة الأمريكية السابقة، تمجد الرسوم الجدارية مناهضة الإيرانيين للإمبريالية. وتحتضن ساحة فلسطين بشكل منتظم الفعاليات المناهضة لإسرائيل، والتي تترجم أحيانًا إلى العبرية. كذلك، تحتوي ساحة ولي عصر على أكبر اليافطات، لكن ساحة الثورة تظل إحدى أبرز المساحات التي يستخدمها النظام في سياق التواصل البصري. ومن ثمة، يضع هذا التوزيع الجغرافي، لليافطات الدعائية، الآلاف من سكان طهران أمام هذه الصور بشكل يومي.

رغم ذلك، لا يضمن الانتشار الواسع لهذه الجداريات الواسع التأييد الشعبي لكل ما ينشره النظام الإيراني. تلحظ سبيده بارساباجوه في هذا السياق: "تعايش معظم سكان طهران مع هذه الصور على مدار عقود. لقد تحولت إلى جزء من المشهد الحضري. لكن الكثير من المارة بالكاد باتوا يلتفتون إليها، وفيما ينظر إليها البعض بمشاعر جياشة، ينظر إليها آخرون من زاوية نقدية".

على أي حال، تعتبر عالمة الأنثروبولوجيا أن مدينة طهران "لا تزال فضاءً للحوار"، ولا يتردد بعض سكان العاصمة في استعادة الجدران حيثما وُجدت فجوات لنشر أفكارهم.

"رغم أن الجدران الضخمة تبقى خاضعة لسيطرة المؤسسات الحكومية إلى حد كبير، إلا أن أشكالاً أخرى من التعبير أكثر سرية هي موجودة أيضًا مثل الكتابة على الجدران، النقوش، التشويهات، وأحياناً حتى المحو. هي ليست أكثر مرئية، وغالبًا ما تكون سريعة الزوال، لكنها تحظى هي الأخرى بالتصوير ويتم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي" ما يتيح لسكان طهران، رغم كل شيء، وبشكل أكثر سرية، بإعادة كتابة روايتهم الخاصة على جدران عاصمتهم، تضيف نفس الخبيرة.

النص الأصلي بالفرنسية، أعده إلى العربية: طارق بلقين

Sign up to read this article
Read news from 100's of titles, curated specifically for you.
Already a member? Sign in here
Related Stories
Top stories on inkl right now
One subscription that gives you access to news from hundreds of sites
Already a member? Sign in here
Our Picks
Fourteen days free
Download the app
One app. One membership.
100+ trusted global sources.